السيد عبد الأعلى السبزواري

136

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

[ سورة الطور ، الآية : 21 ] . وقسما منها تدل على أن المطيع يثاب على أعماله الحسنة والمسئ يعاقب بمعاصيه ، قال تعالى : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ سورة غافر ، الآية : 17 ] ، وقوله تعالى : الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ سورة الجاثية ، الآية : 28 ] ، وقوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [ سورة الأنعام ، الآية : 160 ] . وقسما منها تدل على أنه مختار في أفعاله قال تعالى : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ سورة الكهف ، الآية : 29 ] . وقسما منها تدل على اعتراف الإنسان بصدور المعاصي منه في الآخرة ، قال تعالى : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [ سورة إبراهيم ، الآية : 22 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة منطوقا أو مفهوما على أن الإنسان خالف لأفعاله وأنه المسؤول عنها . والجواب عن ذلك أنّ أقصى ما يستفاد منها أن الإنسان هو الفاعل وعنه يصدر جميع أعماله وأما أنه ليس لإرادته تعالى وقدره وقضائه دخل فيها فلا يستفاد منها ، فهي من هذه الجهة معارضة بالآيات الدالة على أنها من اللّه عزّ وجل قال تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ سورة النساء ، الآية : 78 ] . والآيات الدالة على طلب الاستعانة منه تعالى نحو قوله تعالى : إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ سورة الحمد ، الآية : 4 ] . ولما ورد عن المعصومين ( عليهم السلام ) من قول : « لا حول ولا قوة إلّا باللّه » ، فإن الجميع ظاهر في صحة نسبة أعمال العباد إلى اللّه تعالى ، إما بنحو القضاء كما في السيئات ، أو هو والرضاء معا . كما في الحسنات . وقضاؤه ورضاه ليسا من العلة التامة . وبالجملة : إنّ الآيات والروايات لا يمكن أن يستفاد منها التفويض الكلي للعباد المقابل للجبر ، ويمكن حمل كلامهم على التفويض الاقتضائي بأن يقال : إنّ نهاية استغنائه تعالى عن خلقه يقتضي إيكال الإرادة إلى العباد